الشيخ حسن أيوب
168
الحديث في علوم القرآن والحديث
وبلدانهم : أكثر من الذين لا يعرفهم ، ليكونوا الحكم للغالب » . فقال له التقي السبكي : هذا عزيز في هذا الزمان ، أدركت أنت أحدا كذلك ؟ . فقال : ما رأينا مثل الشيخ الدمياطي ، ثم قال : وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة ، ولكن أين الثّريّا من الثّرى ؟ ! فقال السبكي : كان يصل إلى هذا الحد ؟ قال : ما هو إلا أنه كان يشارك مشاركة جيدة في هذا ، أعني في الأسانيد ، وكان في المتون أكثر ، لأجل الفقه والأصول . وقال أبو الفتح بن سيد الناس : أمّا المحدّث في عصرنا ، فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية ، وجمع رواته ، واطّلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك ، حتى عرف فيه خطه ، واشتهر ضبطه ، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه ، طبقة بعد طبقة ، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله ، فهذا هو الحافظ . وسأل شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل بن حجر العسقلاني شيخه الحافظ أبا الفضل العراقي فقال : ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمن استحق أن يسمى حافظا ؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المزي وأبو الفتح في ذلك ، لنقص زمانه ، أم لا ؟ فأجاب : الاجتهاد في تلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقت ببلوغ بعضهم للحفظ ، وغلبته في وقت آخر ، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك . وكلام المزي فيه ضيق ، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي . وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل ، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه وما فوق . ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين ، فكان الأمر في ذلك الزمان أسهل ، باعتبار تأخر الزمان ، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه أو طبقة أخرى ؛ فهو سهل لمن جعله فيه ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد ، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها ، ومعرفة الصحيح من السقيم ، والمعمول به من غيره ، واختلاف العلماء ، واستنباط الأحكام ، فهو أمر ممكن . بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر ؛ فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر مع انتفاء الموانع . وقد روي عن الزهري أنه قال : لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة . فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان ، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ ، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه « 1 » . وأدنى من « الحافظ » درجة يسمى « المحدّث » . قال التاج السبكي في كتابه :
--> ( 1 ) نقل ذلك كله السيوطي في التدريب ( ص 7 ، 8 ) .